في السياسة، يحمل التوقيت أحيانًا رسالة أوضح من الحدث نفسه. وتكتسب زيارة رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي في العلمين، يوم الثلاثاء، أهميتها ليس بسبب ما جرى خلال اللقاء بقدر ما تكتسبها من توقيتها، بحسب الصحفية والمحللة في شؤون السياسة الخارجية المقيمة في مصر سارة شريف.
ولا يمكن فهم اللقاء بمعزل عن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها تصاعد التوتر بين أثينا وأنقرة بشأن بحر إيجه، وتوقيع صفقة «درع أخيل» الدفاعية مع إسرائيل بقيمة 3.5 مليار دولار، وتنامي التعاون الدفاعي بين مصر وتركيا، إلى جانب تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل في سوريا.
وتتناول صحيفة «إكاثيميريني» اليونانية هذه التحركات في إطار شبكة العلاقات المتشابكة بين مصر واليونان وتركيا وإسرائيل، مشيرة إلى أن توقيت زيارة ميتسوتاكيس للقاهرة يحمل دلالات سياسية تتجاوز مضمون اللقاء ذاته.
صفقة «درع أخيل» ورسائل أثينا إلى القاهرة وأنقرة
وقعت اليونان مؤخرًا صفقة «درع أخيل» الدفاعية مع إسرائيل بقيمة 3.5 مليار دولار، لتضع أثينا في موقع أقرب حليف أمني لإسرائيل في شرق المتوسط، في وقت تشهد فيه العلاقات بين إسرائيل ومصر توترًا منذ اندلاع حرب غزة.
وجاءت زيارة ميتسوتاكيس السريعة إلى مصر في أعقاب الصفقة، وقد تكون محاولة لطمأنة القاهرة إلى أن التحالف اليوناني مع تل أبيب لا يعني انحيازًا ضد مصر، فضلًا عن توجيه رسالة إلى أنقرة مفادها أن العلاقات بين القاهرة وأثينا قوية. وأوضح وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابتريتيس هذا التوجه حين وصف مصر بأنها «هدف رئيسي» لليونان على الصعيد الدبلوماسي، ووصف علاقته بنظيره المصري بدر عبد العاطي بأنها «أخوية».
ومن هذا المنطلق، تأتي زيارة القاهرة ضمن المنطق نفسه؛ فإقامة قناة دبلوماسية مع مصر في اللحظة التي أنهت فيها أثينا صفقة الأسلحة مع إسرائيل ليست مصادفة، بل خطوتان متكاملتان ضمن استراتيجية واحدة.
ولا تقتصر صفقة «درع أخيل» على قرار عسكري، بل تحمل بعدًا سياسيًا اتُخذ على أعلى مستوى. ووصف وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس الصفقة بأنها «استجابة لا غنى عنها للتحديات الجيوسياسية»، مشيرًا إلى أنها تنقل الدفاع اليوناني من مجرد منظومة أسلحة إلى «رادع شامل».
ويكشف ذلك أن الصفقة صُممت لتوجيه رسالة استراتيجية إلى أنقرة، وليس باعتبارها مجرد عملية شراء اعتيادية للأسلحة. وفي الوقت نفسه، أثارت أثينا قضية الاستفزازات التركية في بحر إيجه على المستوى الأوروبي.
وتعود خلفية هذا التوتر إلى عقيدة «الوطن الأزرق» التركية المعروفة، التي تنظر إلى شرق المتوسط بأكمله باعتباره مجالًا للنفوذ التركي. وتتعزز هذه الرؤية مع بناء تركيا أكثر من 50 سفينة حربية، يستهدف بعضها دولًا مثل باكستان والسعودية، وهما شريكان لتركيا في «اتفاق مكة» الذي تتردد مصر في الانضمام إليه.
تقارب مصري تركي تحكمه المصالح والشكوك
بدت العلاقات المصرية التركية خلال الأشهر الأخيرة أكثر تقاربًا، وهو ما ظهر في الزيارات الدبلوماسية وصفقات التعاون الدفاعي. غير أن طبيعة العلاقات الحالية بين القاهرة وأنقرة ليست سرًا؛ إذ تحكمها شروط ومصالح متبادلة. وتقاربت الدولتان لأسباب جيوسياسية، من بينها موقفهما من إسرائيل ورغبتهما في تقليل الاعتماد على الأسلحة الأمريكية.
وقد لا يدوم هذا التقارب طويلًا في ظل بنائه على مصالح مؤقتة، خصوصًا مع استمرار الشكوك المصرية تجاه تحركات أنقرة. فمصر، باعتبارها قوة إقليمية، لا تريد أن تشعر بأن أحدًا «يقودها»، بينما تحاول تركيا تقديم نفسها باعتبارها طرفًا محركًا للأحداث في المنطقة. ويمكن وصف مسار هذا التعاون بأنه «تعاون براجماتي يشوبه انعدام الثقة والتنافس على القيادة». كما أسهم البعد الاقتصادي في تعزيز العلاقات بين القاهرة وأنقرة.
وأدى تراجع إيرادات قناة السويس وتداعيات أزمة الحبوب الأوكرانية إلى جعل القاهرة أكثر انفتاحًا على التعاون مع أطراف ربما لم تكن ستضعها على رأس أولوياتها في ظروف مختلفة. لكن حدود هذا الانفتاح واضحة؛ فعلى سبيل المثال، رفضت القاهرة عرضًا تركيًا لمنحها منطقة اقتصادية خالصة أوسع من تلك التي توفرها الاتفاقيات الموقعة مع اليونان وقبرص.
ومن الناحية العملية، يصعب تنفيذ هذا العرض لأنه يستند إلى مطالب تتعارض مع حقوق السيادة اليونانية والقبرصية القائمة. وتبعث القاهرة من خلال رفضها رسالة واضحة مفادها أن لديها حدودًا لتعاونها مع تركيا، وأن هذا التعاون لن يؤثر في علاقاتها مع أثينا ونيقوسيا.
موازنة هادئة في شرق المتوسط
تزداد تعقيدات التفاعل بين اليونان وتركيا ومصر في ساحات إقليمية أخرى أيضًا. ففي ليبيا، استأنفت أثينا وطرابلس مفاوضاتهما الفنية بشأن ترسيم الحدود البحرية، في الجولة الثالثة التي انعقدت في يوليو. ويمنح ذلك القاهرة، صاحبة النفوذ الكبير في المعادلة الليبية، دورًا مباشرًا في التنسيق مع اليونان، بما يجعل ليبيا امتدادًا لتوازن القوى في شرق المتوسط، وليس مجرد قضية ثنائية. كما يجعل اليونان طرفًا فاعلًا في ليبيا، وهي الساحة التي تنشط فيها تركيا أيضًا.
كذلك يشكل مشروع الربط الكهربائي «GREGY» بين مصر واليونان، الذي ينشئ ممرًا مباشرًا يربط أفريقيا بأوروبا «من دون المرور عبر تركيا»، أداة اقتصادية للحد من النفوذ التركي دون الدخول في مواجهة مباشرة، كما يعكس مستوى التفاهم بين القاهرة وأثينا.
وتحمل زيارة ميتسوتاكيس إلى مصر في هذا التوقيت تحديدًا رسالة سياسية بالأساس: فالتحالف اليوناني مع إسرائيل، وتقارب القاهرة مع تركيا، وتصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل، لا تعني بالضرورة أن القاهرة وأثينا أصبحتا جزءًا من معسكرين متعارضين.
وفي ظل حقيقة أن كل شيء يظل ممكنًا في السياسة، تحافظ القاهرة وأثينا على علاقتهما العميقة والخاصة، القائمة على الاحترام المتبادل. وينصب التركيز حاليًا على إيجاد توازن بين مصالح الطرفين والحفاظ على شراكتهما التاريخية.
وتنتهج مصر، من جانبها، سياسة موازنة تقليدية؛ فتقترب من تركيا بالقدر الكافي للحفاظ على موقعها داخل التحالفات الإقليمية الناشئة، لكنها تتوقف في اللحظة المناسبة حتى لا تعرض علاقاتها مع الأطراف الإقليمية الأخرى للخطر.
وظهر ذلك بوضوح في قرار مصر عدم الانضمام إلى «اتفاق مكة» مع السعودية وباكستان وتركيا. وتدرك اليونان أن أي فراغ دبلوماسي في علاقاتها مع القاهرة قد تملؤه زيادة النفوذ التركي، ولذلك تتحرك سريعًا لترسيخ حضورها على «الخط» مع مصر، عبر زيارة رمزية تحافظ على وجود القاهرة ضمن دائرة أثينا ونيقوسيا.
https://www.ekathimerini.com/opinion/1314539/timing-is-everything-in-the-egypt-greece-relationship/

